التخطي إلى المحتوى

استحوذ تسجيل صوتي، يتضمن تهديداً ووعيداً لسفارة المملكة العربية السعودية في بيروت بـ”إبادة كل من فيها”، الاهتمام في لبنان، فاستنفرت الأجهزة الأمنية، واستنكر عدد من السياسيين الأمر، فيما انقسم الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي بين مندد وداعم لما ورد كما تبين لاحقاً على لسان المعارض السعودي علي بن هاشم بن سلمان الحاجي.

لم يمر وقت طويل على طرح علامات استفهام حول الشخص الذي يقف خلف تهديد السفارة السعودية، حتى قطع الحاجي الشك باليقين من خلال تغريدات عبر صفحته على “تويتر” أكد خلالها أنه هو من قام بذلك، منها ما كتبه “كثير من الصحفيين يحاولون التواصل معي لمعرفة سبب التهديد للسفارات السعودية في لبنان وخارج لبنان، سوف اجيب بكل إختصار، وصلتني عدة تهديدات من قبل الاستخبارات السعودية بقتل أبنائي في حادث سيارة مفتعل إذا لم أكف عن نشاطي، والجميع سمع جوابي في التسجيل”.

وفي الثالث من أغسطس ثبّت الحاجي تغريدة جاء فيها “بسبب معارضتي لحرب اليمن ومطالبتي بحقوق الشيعة في السعودية، تم وضع أطفالي قيد الإقامة الجبرية وإيقاف جميع خدماتهم والتضييق عليهم” وأضاف “النظام السعودي يظن بأن أفعاله سوف تردعني عن نشاطي، لا والله اني اليوم أقوى وأكثر إصراراً للسعي في إسقاط نظام آل سعود”.

وكان المعارض السعودي قال في تسجيله “أي أحد يلمس شعرة من افراد عائلتي، قسماً بجلالة ربي لن يبقى موظف في السفارة السعودية على قيد الحياة، وسأقدم على عمل لم يسبقني عليه أحد، وسأبيد كل شخص في السفارة”.

بعد تداول التسجيل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غرّد سفير السعودية لدى بيروت، وليد بخاري، قائلاً “الإرهاب وليد التطرف جذوره وبذوره تبدأ بالعقل المحبَط”، فما كان من الحاجي إلا أن شارك التغريدة معلقاً عليها “الإرهابي يا سعادة السفير هو من يحتجز أطفالي الخمسة رهائن منذ عام 2018 ، الإرهابي يا سعادة السفير هو من حكم على سلمى الشهاب 34 سنة سجن و34 سنه منع سفر، الإرهابي يا سعادة السفير هو من حكم بالإعدام على أطفال بسبب خروجهم في مظاهرات سلمية في القطيف. حقاً الإرهاب وليد التطرف السعودي”.

تورّط جديد لحزب الله؟

لم يكتف الحاجي باعلانه الوقوف خلف التسجيل الصوتي، ومعارضته الشديدة للنظام السعودي، بل تعمّد نشر فيديوهات تظهر مشاركته في مؤتمر لمعارضين سعوديين في بيروت، اضافة إلى تأييده لحزب الله من خلال صورة وقف فيها على آلية عسكرية غير صالحة للاستخدام وخلفه علم للحزب، كاتباً “الصورة فيها كثير معاني ..المشكلة أنك سعودي صعب تفهم”.

وفي تغريدات عدة، تهكم على مطلب بخاري بتسليمه للانتربول، متوجهاً له بالقول “لبنان ليست امارة سعودية أو خليجية كي تطالب بتسليمي للسعودية. الدستور اللبناني يسمح لنا بالتعبير عن رأينا بحرية ويؤمّن لنا الحماية”.

سارع وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي وبصفته رئيس مجلس الأمن الداخلي، بتوجيه كتابين، الأول إلى المديرية العامة لقوى الامن الداخلي – شعبة المعلومات، طالباً إجراء الاستقصاءات اللازمة والعمل على توقيف من يثبت تورطه وإحالته أمام القضاء، واتخاذ الاجراءات اللازمة بما أمكن من السرعة.

أما الكتاب الثاني فوجهه مولوي إلى المديرية العامة للأمن العام لايداعه جدول حركة دخول وخروج، كل من يثبت تورطه، من وإلى لبنان. ما أقدم عليه وزير الداخلية جاء حرصاً منه كما ورد في بيان “على مصلحة لبنان وأمنه وأمانه وحسن علاقاته مع الدول الشقيقة لاسيما المملكة العربية السعودية”، لافتاً إلى أنه “توفرت لوزارة الداخلية والبلديات معلومات ترجح أن المدعو علي بن هاشم بن سلمان الحاجي من الجنسية السعودية، هو صاحب التسجيل الصوتي المتداول ومطلوب للسلطات السعودية بجرائم ارهاب”.

وأشار المعارض السعودي إلى أن فرع المعلومات اللبناني “التابع للسعودية” كما وصفه، حاول مداهمة شقته في النبطية ورحل بعد التأكد من عدم وجوده، وكتب “ذكرت سابقاً بأني متواجد في سوريا وسوف أعود بعد 10 أيام، وإذا فيه رجال مع عملاء السعودية في لبنان يقرّب مني”، لا بل نشر صورة في إحدى التغريدات ليؤكد على أنه متواجد في سوريا.

ينحدر الحاجي، كما يشير المحلل السياسي نضال السبع “من محافظة الإحساء، وقد صدر بحقه حكم بجرائم الإرهاب وتمويله في العام 2017، وذلك بعد عام من مغادرته المملكة العربية السعودية، حيث يبدو أنه تسرّب من هناك إلى العراق ومنها إلى سوريا قبل أن يستقر في الضاحية الجنوبية للبنان”.

يؤكد السبع أن المعارض السعودي “ناشط داخل أطر المعارضات السعودية في لبنان، سبق أن نظم مؤتمر المعارضة السعودية في بيروت في شهر يناير، وحين سئل عن الهدف من عقد هكذا مؤتمر أعلن بصراحة اسقاط النظام السعودي، ما يعتبر عملاً عدائياً دون أدنى شك”، وما يخشاه السبع بعد التهديدات التي طالت السفارة “أن يدخل طرف ثالث ويستهدف مصالح المملكة في لبنان، متسائلاً “ماذا سيكون موقف الحكومة اللبنانية إذا حصل ذلك؟ وهل تقبل أن تقوم الحكومة السعودية بحماية ورعاية معارضين لبنانيين يسعون إلى اسقاط نظام الحكم”؟

لكن الكاتب والمحلل السياسي فيصل عبد الساتر (مقرّب من حزب الله) يعتبر أنه “لا يمكن فصل تهديد الحاجي عما تتعرض له عائلته في السعودية من مضايقات، والسؤال الأساسي هنا، هل يجوز للنظام في السعودية أن ينتقم من عائلة شخص ما، لأنه لا يستطيع الوصول إليه، فيهدده ويبتزه بعائلته؟ هذا أمر لم نراه في أي دولة في العالم سوى في المملكة”!

 ويشدد “من الطبيعي أن يكون هناك معارض سعودي للنظام في السعودية، وأن يكون موجوداً في لبنان أو غيره من البلدان، فكل دول العالم يتواجد فيها من هو معارض للنظام في بلده، لكن ما هو غير طبيعي أننا في لبنان نعطي كل حدث أهمية استثنائية عندما يتعلق الأمر بدولة لها القدرة على النفاذ إلى مواقع القرار في بلدنا، في وقت لا نرى ذات التعامل عندما يتعلق الأمر  بدول أخرى”.

من جانبه يعتبر المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد  باطرفي أن “تواجد المعارضين المنشقين الإرهابيين في لبنان يؤثر على مصداقية الحكومة اللبنانية وقدرتها على السيطرة على الوضع في بلدها وحفظ أمن البلدان العربية” وشرح “تعهد الرئيس ميقاتي الالتزام بمنع تحويل لبنان إلى منصة للعدوان على الدول العربية، كما تعهد بالنأي بالنفس عن الخلافات الاقليمية والدولية، من هنا يأتي تهديد حاجي ليشكك في كل هذه التعهدات وفي قدرة الحكومة اللبنانية على الوفاء بها”.

كما يعتبر باطرفي تهديد الحاجي بمثابة “تورّط جديد لحزب الله في العمليات الإرهابية والمشاريع التدميرية ضد دول عربية، واثبات بأن هذا الحزب ما هو إلا آداة للحرس الثوري الايراني في المنطقة، فخروج ارهابي معروف بتهديدات ضد السفارة السعودية في بيروت، والتي لها كل الحصانة الدبوماسية والسياسية، وتوعّده بالتعدي عليها وعلى الدبلوماسيين فيها، أمر خطير وإن لم يكن جديداً”.

امتحان وإحراج

اللافت اختيار المعارضين الخليجيين، الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، مكاناً  لاقامتهم، عن ذلك علّق عبد الساتر، “الضاحية جزء من لبنان، والأولى قول المعارض السعودي موجود في لبنان، فلا علاقة للضاحية أو أي منطقة أخرى باقامة معارضين فيها”.

 ولفت إلى قضية توقيف “الأخ غير الشقيق لصدام حسين، حينها لم نر تحركاً للدولة اللبنانية، فقط أصدر الأمن العام اللبناني بياناً باعتقاله بموجب مذكرة انتربول، في حين تستنفر الدولة وكل المسؤولين اللبنانيين عندما يتعلق الأمر بمعارض سعودي، فهل لدى الحاجي جيش جرار في لبنان يستطيع أن يقوم بأي فعل ضد السفارة السعودية”؟

رد السفير السعودي في لبنان وليد بخاري على الحاجي من خلال تغريدة يرى فيه السبع “مؤشراً على أن هناك قلقاً سعودياً من هذه التهديدات وبأن المملكة تأخذها على محمل الجد، ما يستدعي تحركاً سريعاً من الأجهزة الأمنية اللبنانية والقضائية، علماً أن لبنان سبق أن تحرك قبل أسبوع بناء على مذكرة من الحكومة العراقية، فاعتقل أحد أقارب الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والآن نحن أمام حالة أخطر، تتمثل بتهديدات علنية”.

في الوقت الذي يرى في السبع أن التهديدات التي أطلقها الحاجي تضع الأجهزة الأمنية اللبنانية وقدرتها أمام امتحان، وتحرج الرئيس نجيب ميقاتي وحكومته، خاصة أن هناك تعهدات لبنانية بمنع نشاط المعارضة السعودية انطلاقاً من لبنان، وعدم تحويل هذا البلد إلى منصة أمنية وعسكرية واعلامية لاستهداف دول الخليج، يرى عبد الساتر أن “لدى الدولة والحكومة اللبنانية ضعفاً واضحاً أمام ما تريده السعودية”.

ويشرح “تستنفر الدولة كل أجهزتها الأمنية، ترسل الكتب إلى الأمن العام وقوى الأمن الداخلي ومخابرات الجيش عندما يتعلق الأمر بالسعودية، لكن حين يتعلق بدولة أخرى لا نرى أحداً يتحرك، كما جرى في السنوات الطويلة الماضية عندما كان هناك معارضون للرئيس السوري بشار الأسد على سبيل المثال، مع العلم أني أوصّف واقع الحال ليس أكثر”.

وفيما إن كان لتوقيت تهديد المعارض السعودي أي دلالة، نفى السبع ذلك، وشرح “الأجواء في المنطقة لا تشي بأن هناك صراعاً، فعملياً هناك حوار سعودي ايراني، اضافة إلى اعلان الامارات عن عودة سفيرها إلى ايران، في وقت تقترب الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا من توقيع الاتفاق النووي مع طهران، ورغم ذلك لا يمكن اغفال تهديد الحاجي والتعاطي معه باستخفاف من قبل الحكومة اللبنانية”.

لم يرق للمعارض السعودي تغريدات السبع حول تهديده، فرّد عليه، ودار سجال بينهما، عن ذلك علّق المحلل السياسي “أخذ الحاجي الموضوع بشكل شخصي، على الرغم من أني لا أعرفه مطلقاً، وأياً يكن لست مع منطق العصابات والدكاكين التي يتم رعايتها في لبنان، فأنا مع منطق الدولة، ولو أن شخصاً آخراً غير الحاجي تعرض لدولة أخرى، فمن المؤكد أني سوف أتخذ منه موقفاً”.

بعد الحكم على المعارضة السعودية سلمى الشهاب بالسجن 34 سنة، تفاعل الحاجي بشكل كبير مع قضيتها، فكتب عدة تغريدات هاجم خلالها نظام المملكة العربية السعودية، ومما جاء فيها “هل لكم أنّ تتخيلوا بأن سلمى الشهاب زوجة وأم لطفلين وطبيبة حكم عليها بالسجن 34 سنة ومنع سفر 34 سنة، عقوبتها مدتها 68 سنة بسبب تغريدة على تويتر”؟ وفي تغريدة أخرى كتب “يبدو أن النظام السعودي لم يكتف بالانتقام من سلمى الشهاب بعقوبة 68 عاماً، فهو يسعى للانتقام من كل عائلتها، قد نشهد في الأيام القادمة اعتقال والديها”.

 وفيما يتعلق بقضية الناشطة السعودية، تساءل عبد الساتر “أي نظام في هذا العالم تهدده تغريدة كتبتها امرأة”؟! أما السبع فعلّق على الأمر بالقول “كما جرت العادة تستغل المعارضة السعودية كل قضية داخلية بهدف التشهير بالحكومة السعودية”.

كما عبّر الحاجي عن تعاطفه مع قضية أسعد الشاخوري، حيث نشر صورته، كاتباً “ابن القطيف متهم بحرق العلم السعودي، نسألكم الدعاء بالفرج لهذا الطفل، هناك مخاوف بأن يتم إصدار حكم الإعدام ضده أو يحكم عليه بالسجن لأكثر من 30 عاماً”.

يدعو عبد الساتر إلى “البحث عن أصل القضية لا التفاصيل، ففي الماضي القريب قيل أن معارضاً سعودياً قتل في الضاحية الجنوبية، قبل أن يتبين أن الذين قتلوه هم أشقاؤه بسبب خلافات عائلية، لكن البعض حاول أن يثير قضية كبرى”، أما باطرفي فتأسف كون لبنان كان “في السابق معبراً لارهابيين لجؤوا إلى إيران ثم عادوا إليه، كأحمد المغسل على سبيل المثال الذي تم تسليمه في ذلك الوقت إلى الحكومة السعودية، وهو متورط مع خلية في تفجيرات الخبر، واليوم نسمع تهديدات الحاجي من دون أن نسمع صدى لمطالب المملكة بتسليمه إما لها أو للانتربول الدولي”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.